EN FR
القائمة

الدكتور الطيب بوتبقالت يكتب: الصحراء المغربية فجر جديد

Author Avatar

Maroc 7

السبت 7 نوفمبر 2026 - 22:30

بقلم الدكتور  الطيب بوتبقالت: أستاذ الإعلام والتواصل والتاريخ المعاصر – مدير وأستاذ التعليم العالي بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة والمعهد العالي للاعلام والاتصال بالرباط.

 

*قراءة تحليلية في بلاغ 30 أكتوبر وجلسة 4 نوفمبر 2026*

لم تعد قضية الصحراء المغربية، مع مطلع نوفمبر 2026، مجرد ملف معلّق في أروقة الأمم المتحدة، بل تحولت إلى معادلة سياسية جديدة تُدار من داخل المغرب، وبأدوات السيادة والأمن والتنمية والدبلوماسية النشطة. فبلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026، ثم جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس يوم 4 نوفمبر 2026، شكّلا معاً إعلاناً عن «فجر جديد» في تعاطي المملكة مع هذا الملف؛ فجرٌ يقوم على تجاوز منطق التدبير الأممي المفتوح، والانتقال إلى مسار الحسم السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي.

 

*بلاغ 30 أكتوبر: لحظة القطيعة*

جاء بلاغ الديوان الملكي في سياق بالغ الحساسية، إذ تزامن مع اجتماع مجلس الأمن الذي لم يجدد فيه ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو». ولم يكتفي البلاغ بتسجيل هذا التطور، بل منحه دلالة استراتيجية، معتبراً عدم تجديد الولاية «خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة».

 

وقد حمل البلاغ ثلاث دلالات جوهرية أعادت رسم ملامح الموقف المغربي:

إنهاء الحضور الأممي الميداني: طالب بأن تنتهي مهمة «المينورسو» في الأقاليم الجنوبية، وأن تغادر البعثة بكل طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها خلال الأيام المقبلة.

الخروج من إطار مجلس الأمن: دعا إلى سحب ملف الصحراء من جدول أعمال المجلس، وإنهاء إحالته إليه، بما يعني قطعاً مع آلية الإدارة الأممية التقليدية للنزاع التي استمرت عقوداً.

تثبيت الحكم الذاتي: أكد على مواصلة التحرك الدولي لدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بوصفها الحل السياسي الواقعي والقادر على تحقيق تسوية نهائية ومستدامة.

وبذلك، لم يكن البلاغ مجرد رد فعل على عدم تجديد ولاية البعثة، بل وثيقة توجيهية ترسم خارطة الطريق المغربية للمرحلة المقبلة، وتؤكد أن الرباط لم يعد ينتظر إذناً أممياً لترسيخ موقفه، بل يبني مساره السيادي بثقة ووضوح.

 

*جلسة 4 نوفمبر: من الإعلان إلى التنفيذ*

إذا كان بلاغ 30 أكتوبر يمثل الإعلان عن «الفجر الجديد»، فإن جلسة العمل التي ترأسها عاهل البلاد يوم 4 نوفمبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط شكّلت لحظة الترجمة العملية لهذا الإعلان إلى إجراءات مؤسسية ملموسة. فقد خُصصت الجلسة لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام «المينورسو»، عقب قرار مجلس الأمن بعدم تجديد ولايتها.

 

وقد شارك في الجلسة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية. وتكشف هذه التشكيلة عن الطابع المتكامل للمرحلة الجديدة: بعد سياسي عبر الحكومة، وبعد أمني عبر وزارة الداخلية والجيش الملكي، وبعد مؤسسي عبر إشراك أعلى مستويات القرار في تدبير الانتقال.

 

*الأولويات الملكية: أربعة أعمدة*

جدد الملك في الجلسة الأولويات التي تضمنها بلاغ 30 أكتوبر، والمتمثلة في:

صون الوحدة الترابية وسلامة الأراضي المغربية بوصفها خطاً أحمر لا يقبل المساومة.

ضمان الأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، خاصة ساكنة الأقاليم الجنوبية.

التعامل بحزم ويقظة مع هذه الأولويات، كلٌّ وفق اختصاصاته المؤسسية.

تعزيز الإجماع الوطني وضمان استمرارية المشاريع التنموية والمهيكلة بالمنطقة.

وتعني هذه الأولويات أن المرحلة الجديدة لا تقتصر على البعد الدبلوماسي، بل تمتد إلى الأمن والتنمية والاستقرار الاجتماعي في الأقاليم الجنوبية، بما يجعل من التنمية أداة سيادية بقدر ما هي أداة اقتصادية واجتماعية.

 

*«المينورسو»: نهاية نموذج عتيق*

قدّم البلاغ الملكي قراءة نقدية صريحة لأداء البعثة، إذ أشار إلى أنها لم تتمكن، في محطات متعددة، من الاضطلاع بمهامها في مراقبة احترام وقف إطلاق النار أو اتخاذ ما يلزم إزاء الخروقات المسجلة. كما اعتبر أن السياق الذي أُنشئت فيه والوظائف الأصلية التي أُسندت إليها لم تعد تنسجم مع التحولات التي عرفها الملف ومواقف الأطراف الدولية.

 

وهذا التقييم يحمل دلالة قانونية وسياسية مزدوجة: فهو يبرر عدم جدوى استمرار البعثة، ويؤكد في الوقت نفسه أن تغيّر الظروف الدولية والميدانية يجعل الأطر الأممية القديمة غير ملائمة للواقع الجديد. وبذلك، فإن نهاية «المينورسو» تُقرأ كانتصار للمغرب، و تحرره من إطار أممي تجاوزه الزمن، والذي لم يعد يخدم أهداف التسوية الفعلية.

 

*تنظيم الانسحاب ووقف إطلاق النار*

من الناحية العملية، وجّه الملك مكتب التنسيق مع «المينورسو»، التابع لوزارة الداخلية، بمسؤولية التنسيق ومواكبة إجراءات تصفية البعثة وانسحابها، بالتعاون مع الأمم المتحدة، بما يضمن تنفيذ العملية بصورة منظمة وسلسة.

 

وفي خطوة بالغة الأهمية، أكد الملك استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار، معتبراً ذلك التزاماً إرادياً لا يتأثر بانتهاء ولاية البعثة الأممية. وهذا يعني أن المغرب يسعى إلى الفصل بين إنهاء الحضور الأممي الميداني وبين الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة، تفادياً لأي فراغ أمني أو تصعيد ميداني.

 

*من التدبير إلى الحسم*

إن بلاغ 30 أكتوبر 2026 مثل الإعلان عن «الفجر الجديد»، بينما مثّلت جلسة 4 نوفمبر 2026 لحظة الترجمة العملية لهذا الإعلان إلى إجراءات مؤسسية وأمنية وتنموية. فالمغرب لم يعد ينتظر قراراً أممياً جديداً، بل انتقل إلى إدارة مرحلة ما بعد «المينورسو» وفق أولويات واضحة: السيادة، والأمن، والتنمية، والحكم الذاتي.

 

وبذلك، فإن «الفجر الجديد» لا يعني بالضرورة نهاية كل التحديات، بل يعني دخول الملف مرحلة أكثر حسمية ووضوحاً: مرحلة يتحول فيها الحكم الذاتي من إطار دبلوماسي مُتفق عليه نظرياً إلى مشروع تنفيذي واقعي على الأرض، في ظل سيادة مغربية كاملة والتزام باستمرار الاستقرار ووقف إطلاق النار.

أضف تعليقك

الأحرف المتبقية - 1000/1000

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية ، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم .