الشارقة – تقرير شامل خاص لmaroc7 – د.أحمد الحريشي
حين تشرع الشارقة أبوابها في شهر فبراير، فإنها لا تستقبل مجرد زوار عابرين، بل تفتح سجلات التاريخ وتنفض غبار النسيان عن مآثر الأجداد. هكذا تجلى المشهد مهيباً في الدورة الثالثة والعشرين من “أيام الشارقة التراثية” (4 – 15 فبراير 2026)، التي انطلقت تحت شعار “وهج الأصالة”. لم يكن هذا الشعار مجرد كلمات تُكتب، بل كان نوراً يسري في “قلب الشارقة” ليمتد إلى الحمرية، وخورفكان، وكلباء، ودبا الحصن، محولاً الإمارة الباسمة إلى عاصمة كونية للتراث، جمعت تحت سماء واحدة 27 دولة، لتنسج من اختلاف الثقافات لغة إنسانية واحدة.
جغرافيا الحنين.. من “قلب الشارقة” إلى “الحمرية”
لم تنغلق التظاهرة على مركزها، بل سعت إلى معانقة الأطراف. ففي منطقة “الحمرية”، التي مثلت ثاني محطات الأيام، افتُتحت القرى التراثية بحضور رسمي وشعبي لافت، يتقدمه سعادة أبوبكر الكندي، مدير معهد الشارقة للتراث. هناك، اختُزلت جغرافيا الإمارات وتاريخها الممتد؛ من شظف العيش في “البيئة البدوية” إلى زرقة الأمل في “البيئة البحرية”، ووصولاً إلى خضرة العطاء في “البيئة الزراعية”. وفي ساحاتها، تناثرت أسواق الأسر المنتجة تنبعث منها روائح الأطعمة التقليدية.
أرقام تنبض بالحياة.. ملحمة الفنون والحرف

Screenshot
لم تكن الدورة الـ23 مجرد استعراض عابر، بل كانت كرنفالاً ضخماً يتحدث بلغة الأرقام التي تنبض بالحياة. فقد شهدت الساحات مشاركة 41 فرقة شعبية، عربية ودولية، قدمت ما يربو على 1173 عرضاً فنياً زلزل سكون المساءات بأهازيج الفرح. وإلى جانب ذلك، اصطف أكثر من 265 حرفياً أتوا من مختلف بقاع الأرض ليقدموا 40 حرفة تقليدية، حولت الساحات إلى ورش عمل حية، تروي حكاية الإنسان مع المادة وكيف طوعها لتخدم بقاءه.
المغرب في قلب الشارقة.. أبجدية الخط وروحانية “گناوة”

Screenshot
وفي زحمة هذا البهاء، لم تكتمل لوحة الفسيفساء التراثية إلا بنفحةٍ من أريج المملكة المغربية، التي سجلت حضوراً بهياً أثرى المشهد الثقافي عبر سلسلة من الورش التفاعلية والندوات الفكرية. في أروقة الجناح المغربي، لم تكن الحرف اليدوية مجرد معروضات صامتة، بل تحولت إلى روايات حية تنبض بعبق التاريخ؛ حيث التقت أصالة “الزرابي” المنسوجة بخيوط تحكي أساطير الجدات، مع عراقة “صناعة الجلود” التي توثق لمهارة الصانع التقليدي وشغفه بالكمال. وفي زاويةٍ تفيض بالجمال، تجلى “الخط المغربي” بأدواته العتيقة ومداده الأصيل، ليقدم قراءة شاعرية وبصرية لجماليات الحرف العربي. ولم يقتصر هذا الامتداد الثقافي على ما تراه العين، بل حلق بأرواح الحاضرين عبر فنون الأداء التراثية المتنوعة، حيث صدحت إيقاعات “فن گناوة” العريق، لتأخذ الجمهور في رحلة صوفية وموسيقية عميقة، تؤكد أن الموروث المغربي يمثل سيمفونية متكاملة تتناغم فيها مهارة اليد مع نبض الروح.
سوق الكتب.. محاريب الوراقين وعطر الورق
ولأن الكلمة هي الحارس الأول للذاكرة، برز “سوق الكتب” كأحد أهم الإضافات النوعية، مستحضراً أجواء “أسواق الوراقين” في العواصم العربية القديمة. بين الخزائن الخشبية والأبواب العتيقة المضاءة بالفوانيس، عُرضت إصدارات معهد الشارقة للتراث وعشرات العناوين التي تبحث في جذور الهوية. كانت حفلات التوقيع في “بيت النابودة” بمثابة محاريب فكرية، تؤكد للزائر والمثقف أن التراث ليس مجرد رقصة شعبية، بل هو وثيقة تُقرأ ونصٌ يُنقد.
حوار العقول والمؤسسات.. صون المكتسبات
وفي الجانب الأكاديمي، تحول المقهى الثقافي في “بيت النابودة” إلى منصة للحوار المعرفي العميق. استضافت الأيام ندوة لدائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، استعرض فيها الدكتور موسى الهواري جهود دمج المواقع التاريخية في المشهد التعليمي. وفي جلسات أخرى، ناقش المفكرون والباحثون، أمثال عبد الله صالح والدكتور خالد متولي، جدلية “الاستمرار والتجديد” في الحرف التراثية، محذرين من طغيان العولمة ومؤكدين على استدامتها بأساليب لا تخدش جوهرها.
سيمفونية النخيل ووثيقة الطابع التذكاري

Screenshot
أما في جناح “البيئة الزراعية”، فكان الوالد عبدالله علي الشحي يعيد سرد حكاية الإنسان الإماراتي مع النخلة، صانعاً “الجراب” من خوص النخيل، وشارحاً تقنيات الري القديمة “اليازره”، في مشهد يربط الغذاء بالانتماء للأرض.
ولأن اللحظات العظيمة تستحق الخلود، جاء التوقيع التاريخي لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على أول طابع بريدي يوثق “أيام الشارقة التراثية”، ليمثل تتويجاً لهذا العرس. هذا الإصدار، الذي حمل صورة “المدفع التراثي” ورمزيات الفرح، سيظل وثيقة بصرية تعبر الأجيال.
خاتمة المطاف.. بقاء الأثر
أسدلت أيام الشارقة التراثية الستار على دورتها الـ23، بعد أن جابت بها قوافل الخيل والإبل ساحات الفرح، وبعد أن فعلت منظومة النقل البري والبحري لتيسير وصول الزوار. رحلت الوفود، من البرتغال “ضيف الشرف” والصين وغيرها، وانطفأت أنوار المسارح في 15 فبراير، لكن “وهج الأصالة” لم ينطفئ. لقد رسخت هذه الدورة قناعة عربية وعالمية بأن الشارقة ليست مجرد حاضنة للتراث، بل هي قلبٌ ينبض به، وموعدٌ سنوي لا يُخلفه كل من يبحث عن جذوره في عالمٍ متسارع.
