EN FR
القائمة

في حضرة الفيحاء: رحلة الضوء والحرف في معرض دمشق الدولي للكتاب

Author Avatar

ahmedlahrichi

الجمعة 20 فبراير 2026 - 02:15

بقلم: [د.أحمد الحريشي]

أن تشدّ الرحال إلى دمشق، فذلك يعني أنك تقصد عاصمةً لا تقرأ التاريخ بل تكتبه. وفي رحاب الدورة الأخيرة لمعرض دمشق الدولي للكتاب، لم تكن غايتي مجرد تسجيل حضور عابر في فعالية ثقافية، بل كانت انغماساً وجدانياً ومعرفياً في قلب مشهدٍ ينبض بالحياة. جئتُ حاملاً قصائدي، لأجد نفسي أمام ملحمة ثقافية كبرى، تتنفس من خلالها سوريا هواء التعافي، وتثبت للعالم أن جينات الإبداع في هذا البلد عصية على التلف، وأن بوصلة الثقافة العربية لا تزال تشير إلى دمشق.

على منابر الفيحاء: حين تآخت القصائد

لقد كانت المشاركة في الأمسية الشعرية إحدى أعمق المحطات أثراً في نفسي. على تلك المنصة، تلاشت الحدود الجغرافية، وعانقت القصيدة السورية، المعجونة بعبق الياسمين وصلابة السنديان، أصواتاً وقوافيَ عربية جاءت لتحتفي بـ “جلق”.

{“

• جمهور استثنائي: ما يمنح الشعر أجنحةً في دمشق هو متلقيها؛ ذلك الجمهور الشغوف الذي يمتلك أذناً موسيقية وذائقة نقدية فطرية. لقد كانت الأمسية حالة من الانصهار الصوفي بين الشاعر والجمهور، حيث الكلمة هي الخبز الروحي الذي نتقاسمه جميعاً في محراب الشعر.

موائد الفكر: مكاشفات نقدية في زمن التحولات

لم يكتفِ المعرض بكونه سوقاً للورق، بل حوّل أروقته إلى ساحات للاشتباك المعرفي والإبداعي. لقد كان لي شرف الانخراط في ندوات نقدية وفكرية متعددة، اتسمت بالجرأة في الطرح والعمق في التحليل. ناقشنا مآلات النص، وتحولات الإبداع العربي، ودور المثقف في ترميم الوجدان. هذه المساجلات أضفت على الفعالية بُعداً أكاديمياً ورصانةً تليق بالعمق التاريخي للحركة الثقافية السورية.

خارطة النشر العالمية تتجلى في قاعات المعرض

من أكثر المشاهد التي تستوقف الزائر، ذلك الزخم الهائل في أعداد دور النشر المشاركة وتعدد جنسياتها.

بانوراما معرفية: تجولت بين أجنحةٍ تمثل قاراتٍ ودولاً شتى، تقدم أحدث الإصدارات في الفلسفة، والأدب، والعلوم، والترجمة. هذا التنوع المدهش لا يعكس فقط نجاحاً تجارياً، بل يمثل شهادة ثقة دولية بمكانة دمشق كحاضنة للكتاب، ورئة يتنفس منها العقل العربي حريته في القراءة والاطلاع.

شباب سوريا: هندسة الجمال واللوجستيات

إن أي حديث عن نجاح هذه الدورة لا يستقيم دون توجيه تحية إجلال للكوادر الشابة في وزارة الثقافة. لقد أدار هؤلاء الشباب المشهد بحرفية لافتة، ومزجوا بين الدقة اللوجستية واللمسة الجمالية في التنظيم.

• سفراء المرحلة: لم يكونوا مجرد منظمين، بل كانوا الوجه المشرق لـ سوريا الحرة المليئة بالطاقات. بابتساماتهم التي لا تفارق وجوههم، وحرصهم الدؤوب على راحة الضيوف وتسهيل تنقلاتهم، أثبتوا أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وأن هؤلاء الشباب هم الرهان الرابح لقيادة النهضة الثقافية القادمة.

ذاكرة الحجر والروح: جولة في عبقرية العمران الدمشقي

على هامش الفعاليات، كانت دمشق تدعوني لقراءة كتابها الحجري المفتوح. التسكع في حاراتها العتيقة هو رحلة استكشاف لمآثر حضارية لا نظير لها. من شموخ الجامع الأموي، إلى عبق سوق الحميدية، وتفاصيل الزخارف في البيوت الدمشقية؛ كل حجر هنا يروي قصة حضارة متجذرة. إن هذا الإرث العمراني المهيب يمنح الزائر طمأنينةً مطلقة بأن مدينةً تقف على هذا الأساس المتين من التاريخ، قادرة حتماً على استعادة أمجادها والتحليق من جديد.

أغادر معرض دمشق وفي حقيبتي كتبٌ، وفي ذاكرتي وجوهٌ شابةٌ تفيض بالأمل، وفي روحي يقينٌ بأن عاصمة الأمويين ماضيةٌ في طريقها المشرق، تصنع من الحبر والمحبة درعاً لا يُخترق، وتكتب غدها بأبجدية الجمال.

أضف تعليقك

الأحرف المتبقية - 1000/1000

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية ، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم .