إن المضمون الذي تم بثه عبر الفيديو المنشور من طرف حميد المهداوي لا يقتصر على كشف اختلالات بعض العاملين في الحقل الإعلامي أو أعطاب التدبير القطاعي فحسب، بل يمس بصورة مباشرة هيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها الدستورية، من قضاء ونيابة عامة وجهاز تنفيذي و يضرب دستور 2011 و كل المكتسبات الحقوقية و القانونية في عرض الحائط و يجعلها حبر على ورق بل و يسيء لصورة المغرب التي نعمل لسنوات طويلة للحفاظ عليها و الرقي بها.
فإجتماع اللجنة التي من المفروض أنها لجنة الأخلاقيات و التي يبدو من الفيديو أن الاجتماع حضرت فيه اللجنة و غابت عنه الأخلاقيات، و الحوارات الواردة في اجتماعهم و ما تضمنته من تصريحات جازمة حول وجود قنوات “خاصة” للتواصل مع جهات نافذة مذكورة بالاسم، ومن بينها شخصيات قضائية بارزة، مع الترويج لفكرة إمكانية اختصار المساطر القانونية أو التأثير على مخرجاتها، تشكل معطيات بالغة الخطورة من شأنها تقويض الثقة في العدالة وفي مبدأ سيادة القانون.
إن الحديث، بهذه الجرأة، عن طرق ملتوية لانتزاع حجية قرارات أو أحكام قضائية، والاستخفاف بمؤسسة القضاء وبنبل مهنة المحاماة و الاساءة لهما
، يجعل من هذا التسجيل فضيحة مكتملة الأركان تستوجب فتح تحقيق قضائي وترتيب الجزاءات القانونية في مواجهة كل من يثبت تورطه، تحت طائلة ترسيخ انطباع بوجود “دولة داخل الدولة”، تتحكم في رقاب المواطنين، و تفصل المتابعات والأحكام وفق المصالح والهوى، بعيدا عن الضوابط الدستورية والقانونية المنظمة.
أما محاولة قلب الطاولة و تهديد المهداوي بالمتابعة القضائية لنشر الفيديو و البحث في كيفية حصوله على هذه المقاطع فليست محل النقاش القانوني الآني، إذ إن وصول المحتوى إلى الرأي العام وانتشاره الواسع يجعل المسألة متعلقة بالنظام العام وبمصداقية المؤسسات. والأخطر أن مضمون الفيديو نقل في سياق استشارة موجهة إلى شخص يبدو نافذا بجلالة قدره ك إسمه “جلال”، ما يزيد من خطورة الدلالات القانونية والمؤسساتية المستخلصة من الواقعة.
إن تجاهل مثل هذه التسريبات، أو التعامل معها بخفة، سيسقط ما تبقى من الغطاء عن الأزمة العميقة التي قد تمس البنية المؤسسية والدستورية للدولة.
إذ يعيدنا المشهد إلى ممارسات سالفة تجاوزها الزمن، حين كان بعض الأفراد ينسجون مصائر الآخرين خارج الشرعية القانونية، و يخضعون المؤسسات لرغباتهم الخاصة و حساباتهم الضيقة و يحرجون الدولة و مؤسساتها.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد نقاش إعلامي، بل مجزرة قانونية وأخلاقية تستوجب الحزم و الردع لضمان عدم الارتداد لعقود إلى الوراء ظننا أننا قطعنا معها في الماضي
