دعا الملك محمد السادس إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة محطة مفصلية لمواصلة تعزيز موقع المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وشريكاً موثوقاً، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية.
وأكد الملك، في الخطاب الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان، أمس الجمعة 9 أكتوبر، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أن المرحلة المقبلة تتيح فرصاً مهمة لمواصلة الإصلاحات والإنجازات، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
حيث استهل الملك خطابه بتهنئة أعضاء مجلس النواب على الثقة التي حظوا بها لدى الناخبين، مبرزاً أن المسؤولية الملقاة على عاتقهم تقتضي العمل على تحقيق تطلعات المواطنين والاستجابة لانشغالاتهم.
-الاعتزاز بالوطن مسؤولية وطنية:
واستحضر الملك محمد السادس ما سبق أن أكده أمام البرلمان سنة 2014 بشأن اعتزازه بمغربيته، مشدداً على أن هذا الشعور يزداد رسوخاً مع مرور السنوات، بالنظر إلى عمق الهوية المغربية وتاريخ المملكة ومكانتها.
كما أشار إلى أن المغرب يستند إلى رصيد تاريخي وحضاري عريق، وإلى هوية دينية أصيلة في ظل إمارة المؤمنين، فضلاً عن غنى مكوناته الثقافية والحضارية وتعدد روافده.
وأبرز ما حققته المملكة من مكاسب سياسية ودبلوماسية، إلى جانب التحولات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها، مؤكداً أن الاعتزاز بالانتماء الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعور بالفخر، بل يتعين أن يشكل دافعاً لتحمل المسؤولية والمساهمة في خدمة البلاد.
ـ استراتيجيات جديدة لتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي:
وفي سياق التحولات الجيو اقتصادية العالمية، دعا الملك إلى مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى المبرمجة في مجال البنيات التحتية، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في قطاعات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.
وشدد على أهمية تطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وضمان استمرارية توريد المواد الأساسية، بما يعزز قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية.
كما دعا القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور أكبر في التحول التنموي، من خلال تشجيع الاستثمار والابتكار، وتعزيز القدرة على خلق فرص الشغل وتوسيع الصادرات.
-الشباب في صلب السياسات العمومية:
وأكد الملك ضرورة جعل قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية وأولويات مؤسسات الحكامة، ضمن رؤية متكاملة تقوم على تكافؤ الفرص، وتحسين التعليم والتأهيل، وتعزيز الإدماج الاقتصادي.
وأوضح أن تمكين الشباب من فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي من شأنه أن يعزز ثقتهم في مؤسسات وطنهم، وفي قدرتهم على بناء مستقبل أفضل في إطار من الحرية والكرامة والاستقرار.
-التنمية الترابية رهينة بالعمل الميداني:
وشدد الملك محمد السادس على أن المرحلة المقبلة تستوجب تكثيف العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال تشخيص المشكلات التي تواجه مختلف المناطق، ووضع حلول عملية تستجيب لخصوصياتها واحتياجات سكانها.
وربط تحقيق التنمية المندمجة وتحسين جودة الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج بمواصلة تفعيل الجهوية المتقدمة، وتسريع ورش اللاتمركز الإداري.
وفي هذا الصدد، نبه إلى أن التأخر والاختلالات التي لا تزال تعترض تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تؤثر سلباً على تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.
ـ دعوة إلى تسريع تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري:
وأكد الملك أنه لم يعد مقبولاً استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، داعياً إلى نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية اللازمة من الإدارة المركزية إلى الجهات والأقاليم.
كما شدد على ضرورة تجاوز العراقيل التي تحد من أداء مؤسسات الجهات، عبر توضيح الاختصاصات وتعزيز الإمكانات البشرية والمادية المتاحة لها.
ودعا، في السياق ذاته، إلى تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، وإرساء آليات واضحة للتنسيق والتعاقد، بما يتيح لهذه المؤسسات اتخاذ القرارات اللازمة وتنفيذ المشاريع التنموية بفعالية.
-الملك: نموذج التعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً:
وعلى المستوى الدولي، أكد الملك أن المغرب رسخ مكانته كشريك مسؤول وموثوق، يفي بالتزاماته وينتظر من شركائه الالتزام بالمبدأ نفسه.
وأشار إلى أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدتها المملكة في تدبير الهجرة حققت نتائج ملموسة، غير أن الأزمات المتكررة تكشف، بحسب الخطاب، عن تجاوز النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال، والحاجة إلى إرساء مقاربة جديدة.
وتطرق الملك إلى تطور الشراكة المغربية الإسبانية في عدد من المجالات، بما فيها مكافحة الهجرة غير النظامية، مسلطاً الضوء على التحديات المرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل، وفق ما ورد في الخطاب، ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، بما قد يتيح المجال أمام الشبكات الإجرامية لاستغلال هذه الأوضاع.
ـ الشراكة مع المغرب لا تخضع للضغط أو الابتزاز:
وفي ما يتعلق بعلاقات المملكة مع شركائها، شدد الملك على أن الشراكة تقوم على الاختيار السيادي والالتزام الإرادي، ولا يمكن أن تكون موضوعاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
وأعلن أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، ترمي إلى إرساء توجه جديد للتعاون، يقوم على تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
– الانتداب البرلماني مسؤولية أمام المواطنين والتاريخ:
وفي ختام خطابه، ذكّر الملك أعضاء البرلمان بأن الانتداب البرلماني لا يقتصر على تمثيل الناخبين، بل يشكل التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً مع المواطنين.
ودعا البرلمانيين إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم الوطنية على النحو الذي يستجيب لتطلعات المواطنين ويرتقي إلى مستوى الثقة التي وضعوها فيهم، مستشهداً بقوله تعالى: «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها».
