تتجه احتجاجات تلاميذ الثانويات في فرنسا إلى مرحلة جديدة، وسط تصاعد التوتر بين المحتجين وقوات الأمن، وذلك بعد حادث خطير وقع أمس الاثنين، في مدينة لانس شمال البلاد، حيث فقد تلميذ يبلغ 15 عاما يده إثر انفجار قنبلة خلال تجمع احتجاجي أمام مؤسسة تعليمية.
وأصيب التلميذ أمام ثانوية أوغست بيهال خلال تدخل أمني، قبل أن يُنقل إلى أحد مستشفيات مدينة ليل. وأكد محافظ إقليم با دو كاليه أن حياته ليست في خطر، في وقت باشرت السلطات التحقيق لتحديد ملابسات الحادث، خصوصا بعدما أوضح المدعي العام في بيتون أن التحقيق لم يحسم بعد ما إذا كان القاصر قد التقط القنبلة قبل انفجارها أو أنها وصلت إليه مباشرة.
هذا، وأحيل التحقيق إلى المفتشية العامة للشرطة الوطنية، بينما وصف وزير التربية إدوار جوفري الواقعة بأنها “مأساوية إنسانيا”، مؤكدا أن ظروف الإصابة لم تتضح بشكل كامل حتى الآن.
حيث تأتي حادثة لانس في سياق سلسلة من الإصابات الخطيرة التي طالت تلاميذ خلال الأيام الماضية، وأعادت إلى الواجهة مسألة استخدام القوة أثناء التعامل مع الاحتجاجات المدرسية.
ففي مدينة تور، فقد تلميذ يبلغ 16 عاما البصر في عينه اليمنى إثر إصابته خلال إغلاق ثانوية بلزاك. وأفادت النيابة بأن الفحوص الطبية تتطابق مع إصابة ناجمة عن قاذف كرات دفاعية، فيما تقدمت أسرة القاصر بشكوى بشأن أعمال عنف يُشتبه في صدورها عن شخص مؤتمن على السلطة العامة.
وفي سان أوين لومون، أصيب تلميذ في الرابعة عشرة من عمره بجروح بالغة في الوجه خلال الأيام الماضية. وقالت والدته إن الإصابة تسببت في كسور على مستوى الفك وتحطم أو فقدان عدد من الأسنان، بينما ينتظر القاصر سلسلة من العلاجات التي قد تترك آثارا طويلة الأمد.
كما أصيب فتى يبلغ 16 عاما في العين بمدينة أرغنتوي، في واقعة مرتبطة أيضا باستخدام قاذفات الكرات الدفاعية، فيما تتواصل التحقيقات القضائية لتحديد المسؤوليات والظروف المحيطة بالإصابة.
وأدت هذه الوقائع إلى فتح عشرة تحقيقات من طرف المفتشية العامة للشرطة الوطنية منذ بداية الاحتجاجات، بحسب وزارة الداخلية، في وقت رفعت منظمات حقوقية ونقابات صوتها للمطالبة بتوضيحات حول قواعد استخدام القوة في مواجهة احتجاجات يشارك فيها عدد كبير من القاصرين.
واعتبرت رابطة حقوق الإنسان أن بعض التدخلات الأمنية تعكس “انحرافا عاما عن دولة القانون”، بينما دعت منظمة العفو الدولية السلطات الفرنسية إلى خفض التصعيد، في ظل تزايد المخاوف من تحول المواجهات إلى مصدر إصابات جديدة بين التلاميذ.
في المقابل، تؤكد السلطات أن عناصر الأمن يواجهون بدورهم أعمال عنف خلال الاحتجاجات. فقد أعلنت وزارة الداخلية إصابة 715 شرطيا ودركيا منذ 28 شتنبر، إلى جانب تسجيل 6059 عملية توقيف، فيما وثقت تسجيلات متداولة اعتداءات استهدفت عناصر أمن في باريس وبلفور.
وبحسب وزارة العدل، خضع أكثر من خمسة آلاف شخص للحراسة النظرية منذ بداية الاضطرابات، 87 في المائة منهم قاصرون، بينما يخضع 1802 شخص لمتابعات قضائية.
ولا تختزل الحركة الاحتجاجية في البعد الأمني، إذ يتمسك التلاميذ بمطالب مرتبطة أساسا بظروف الدراسة. وتتمحور أبرز الشكاوى حول النقص في أعداد المدرسين وعدم تعويض المتغيبين، واكتظاظ الأقسام، وتدهور وضع بعض المؤسسات، إلى جانب الاعتراض على منصة “باركورسيب” الخاصة بالولوج إلى التعليم العالي، والتي يرى محتجون أنها معقدة وانتقائية.
وفي خضم الجدل، نفى وزير الداخلية لوران نونيز إصدار أي تعليمات تهدف إلى “قمع التلاميذ”، موضحا أن مهمة قوات الأمن تتمثل في حماية الطلاب والعاملين بالمؤسسات التعليمية وضمان حق التعبير السلمي عن المطالب.
وأبدى نونيز استعداده للمثول أمام اللجان المختصة في الجمعية الوطنية أو مجلس الشيوخ لتقديم توضيحات بشأن تعليمات الوزارة وقواعد حفظ النظام والظروف التي تتدخل فيها قوات الأمن، كما دعا المحافظين إلى التحرك سريعا عند وقوع اضطرابات وأعمال تخريب.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة عبر الحوار، دعا رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو إلى استئناف الدراسة “في كل مكان يكون ذلك ممكنا”، وكلف وزراءه بالاشتغال على خمسة ملفات مستمدة من القضايا التي أثارتها المجالس الأكاديمية للحياة المدرسية، على أن تُتخذ قرارات أولية بشأنها قبل نهاية الشهر.
كما دعا وزير التربية إلى التحضير لعودة تدريجية إلى الدراسة، مع تخصيص حيز للنقاش داخل المؤسسات التعليمية بين التلاميذ والأطر التربوية، بهدف تحديد المطالب بدقة وفصلها عن أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التحركات.
لكن الاحتجاجات لم تعد شأنا تعليميا صرفا، بعدما تحولت إلى محور سجال سياسي متزايد بين الحكومة والمعارضة. وفي هذا السياق، وجهت دوائر حكومية انتقادات إلى حزب “فرنسا الأبية”، فيما أكد منسق الحزب مانويل بومبار رفضه لأعمال العنف، مع التشديد على أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى اختزال الحركة الاحتجاجية للتلاميذ في مظاهر التخريب.
ومع استعداد المحتجين لما يصفونه بـ”الفصل الثالث” من التعبئة، وسط ترقب مشاركة نقابات وطلاب جامعيين، تدخل الاحتجاجات الفرنسية مرحلة أكثر تعقيدا، تتقاطع فيها المطالب المرتبطة بإصلاح المدرسة مع الجدل حول تعامل قوات الأمن، وتداعيات اجتماعية وسياسية بات من الصعب فصلها عن الحراك المتواصل.
