سهيل المساوي – طنجة
تشهد مدن الشمال المغربي توافدا ملحوظا للشباب والشابات، لكنهم لم يقصدوا هذه المدن للنزهة أو الاستجمام، بل يحملون حلما واحدا: الوصول إلى سبتة المحتلة ومنها إلى الضفة الأوروبية. وعلى امتداد خطوط السكك الحديدية وفي محيط المناطق الحدودية، تتكرر مشاهد الانتظار والترقب، في انتظار فرصة قد تغير مسار حياتهم أو تنتهي بفشل المحاولة. هذه المشاهد تعيد إلى الواجهة ملف الهجرة غير النظامية، وتطرح أسئلة عميقة حول الأسباب التي تدفع شبابا في مقتبل العمر إلى مغادرة أسرهم والمخاطرة بحياتهم، كما تفتح باب النقاش حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي هذا الحلم، والجهود المبذولة للحد من الظاهرة ومعالجة أسبابها.
وفق الإحصائيات الرسمية المتوفرة، أحبطت السلطات المغربية 73 ألفا و640 محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنة 2025، مسجلة بذلك انخفاضا بنسبة 6.4 في المائة مقارنة بعام 2024 الذي شهد إحباط 78 ألفا و685 محاولة. وفي سياق متصل، تم تفكيك أكثر من 300 شبكة تنشط في تهريب المهاجرين خلال عام 2025، فيما جرى إنقاذ أو اعتراض 13 ألفا و595 مهاجرا في البحر خلال السنة ذاتها. كما استفاد 4 آلاف و372 مهاجرا من برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.
كثيرا ما تشير التقارير الحية المحلية والدولية إلى رغبة الآلاف في الهجرة، سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يخاطر الشباب والشابات والقاصرون والراشدون بمغادرة الوطن؟ أليس من غير الطبيعي أن يخاطر هؤلاء بأرواحهم للوصول إلى الضفة الأوروبية والبحث عن حياة معيشية أفضل؟ الجواب يأتي من أفواههم، حيث يصفون الوضع المعيشي والتراكمات المادية والاجتماعية بأنها السيئة، وهي ما تجبرهم على التفكير بالمخاطرة ورمي أنفسهم للتهلكة. لكن وجب التنبيه إلى أن هذه الفكرة ليست سائدة لدى جميع المواطنين، فهناك من يرى أن الوضع الاستقراري والتنموي بالمغرب يعرف نشاطا إيجابيا سنة تلو الأخرى، وأن الملك والحكومة يعملان لتوفير الأفضل للمواطن من طنجة إلى الكويرة، وأن النجاح والفلاح حتمي إذا تعاون المواطن والسلطة يدا بيد.
إن استعادة الثقة بين المواطن والسلطة لا تتحقق بقرارات ظرفية، وإنما عبر رؤية متكاملة تقوم على تعزيز فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتسهيل ولوج الشباب إلى الاستثمار، والارتقاء بالخدمات العمومية، مع توسيع فضاءات الحوار والإنصات لتطلعات المواطنين. وفي المقابل، يظل المواطن شريكا أساسيا في مسار التنمية، من خلال احترام القانون والانخراط في المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والمساهمة في ترسيخ ثقافة المسؤولية والعمل.
تبقى الهجرة غير النظامية من أكثر القضايا تعقيدا، لأنها تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والأمنية. ورغم الجهود التي تبذلها السلطات المغربية لمحاربة الظاهرة وإنقاذ الأرواح، فإن معالجتها بشكل مستدام تقتضي مواصلة العمل على خلق الفرص وتعزيز التنمية، إلى جانب التعاون الإقليمي والدولي لمعالجة الأسباب العميقة للهجرة. وبين حلم الوصول إلى الضفة الأخرى وواقع المخاطر التي تحيط برحلة العبور، يبقى الأمل معقودا على حلول توازن بين حماية الأرواح واحترام الكرامة الإنسانية وفتح آفاق أوسع أمام الشباب لبناء مستقبلهم داخل أوطانهم.
