الحرب في الشرق الأوسط وإمدادات الطاقة أصبحتا في صلب الاهتمام العالمي مع اتساع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة امتدت تداعياتها من ساحات القتال إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ومع تصاعد الضربات العسكرية المتبادلة، طالت الهجمات عددا من المنشآت الحيوية في المنطقة، ما أدى إلى اضطراب إنتاج النفط والغاز وإغلاق بعض منشآت التصدير، إضافة إلى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا.
وقد انعكس هذا الوضع مباشرة على أسواق النفط العالمية، حيث شهدت الأسعار ارتفاعا حادا خلال الأسبوع الأول من اندلاع الحرب، مسجلة زيادة بنحو 30 في المائة، قبل أن تصل إلى حوالي 110 دولارات للبرميل مع بداية الأسبوع الثاني، وسط توقعات من محللين بإمكانية بلوغ 150 دولارا للبرميل في حال استمرار التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، حذر وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة سعد الكعبي من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى احتمال اضطرار الدول الخليجية المصدرة للطاقة إلى وقف الإنتاج خلال أسابيع في حال استمرار التصعيد.
وجاء هذا التحذير بعد إعلان شركة قطر للطاقة حالة “القوة القاهرة” في الرابع من مارس الجاري عقب تعرض منشآتها لهجوم عسكري، ما أدى إلى تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال وبعض الأنشطة الصناعية المرتبطة به.
كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية تفعيل حالة القوة القاهرة نتيجة التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، في وقت تعمل فيه شركات طاقة أخرى على تقليص الإنتاج أو إعادة تنظيم عمليات التصدير.
وفي الإمارات العربية المتحدة، أفادت شركة بترول أبوظبي الوطنية بأنها تدير مستويات الإنتاج في الحقول البحرية للحفاظ على مرونة العمليات، بعدما اندلع حريق في ميناء الفجيرة، أحد أبرز مراكز تخزين النفط وتزويد السفن بالوقود عالميا.
من جهته، اضطر العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، إلى خفض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يوميا بسبب محدودية القدرة على التخزين وتعطل بعض قنوات التصدير.
كما أوقفت المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، الإنتاج في مصفاة رأس تنورة مؤقتا عقب تعرضها لهجمات، وبدأت في إعادة توجيه شحنات النفط نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبالتوازي مع هذه التطورات، ارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل غير مسبوق لتغطية مخاطر الحرب، حيث تجاوزت أقساط التأمين في بعض الحالات نسبة 1000 في المائة، في مؤشر على حجم القلق الذي يسود الأسواق العالمية.
وفي خضم هذه التوترات، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ارتفاع أسعار النفط في الوقت الراهن يعد “ثمنا مقبولا” في ظل الحرب، معتبرا أن الأسعار ستنخفض مجددا بعد انتهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني.
غير أن الأسواق تفاعلت بسرعة مع هذه التصريحات، حيث تراجعت العقود الآجلة للنفط بعد موجة الارتفاع، ليستقر سعر خام برنت في حدود 80 دولارا للبرميل بعد أن كان قد لامس مستوى 119.5 دولارا في ذروة التصعيد.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة، أعلنت دول مجموعة السبع استعدادها لاتخاذ إجراءات لدعم إمدادات الطاقة العالمية، من بينها الإفراج عن جزء من المخزونات الاستراتيجية للنفط.
كما أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للعمل مع الشركاء الدوليين لضمان استقرار إمدادات النفط والغاز، مؤكدا أن روسيا ستواصل تزويد الدول الشريكة بموارد الطاقة.
ورغم هذه التطمينات السياسية، يظل مستقبل أسواق الطاقة العالمية رهينا بتطورات الأوضاع الميدانية في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من استمرار التقلبات في الأسعار إلى حين استعادة الاستقرار وضمان تدفق الإمدادات بشكل طبيعي.
