جلال طبطاب – صحافي وباحث في تدبير الشأن العام
إن النموذج المغربي في مفهوم الدولة-الأمة يتجلى بوضوح في آخر خطاب بمناسبة الذكرى الـ27 لعيد العرش الذي أشار فيه الملك محمد السادس لاستمرارية الدولة المغربية حين وصفها بأنها “بلد عريق جذوره ضاربة في التاريخ لأنه يستمد قوته باعتباره الدولة الأمة”، مؤكدا بذلك انطباقا نادرا بين الكيان السياسي والإطار المجتمعي نتج عن قرون من التراكم التاريخي جعلت المغرب يختلف عن دول المنطقة التي تعاني من فجوة بين حدودها وهوياتها، وهذا التصور التاريخي وجد تكامله أيضا في اخر خطاب جمعة حينما أكدت الخطبة على أنه”لا يجوز التشويش على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرية التعبير، أو بدعوى التغيير نحو الأفضل، ما لم يكن ذلك وفق ما أجمعت عليه الأمة”، مانحة بذلك مفهوما جديدا للحرية والمواطنة يقوم على التوازن بين التعبير المشروع والإجماع الوطني الذي تشكل عبر قرون من التوافق الشعبي والولاء المؤسساتي، ففي لحظة تؤكد الدولة فيها استمراريتها التاريخية، تأتي الأمة ممثلة في مؤسساتها لتؤكد التزامها الأخلاقي والروحي بهذا الكيان، مما يقدم نموذجا متفردا للدولة-الأمة المغربية التي لا تنفصل فيها مؤسسات الدولة والدين عن وعي الأمة، ولا ينفصل فيها اختيار المواطن الحر عن انتمائه الجماعي الطوعي لوطنه.
يتخذ مفهوم الدولة-الأمة، في تحليله النظري العميق، منحى مركبا يتجاوز مجرد الانطباق الهندسي بين الدولة كمنظومة سياسية والأمة كمجموعة بشرية متجانسة، ليصبح إشكالا مركزيا في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري المقارن. فبين الرؤية الألمانية التي تؤسس للأمة على أساس اللغة والجنس والتاريخ المشترك، والرؤية الفرنسية التي تجعل الدولة هي العنصر الفاعل في خلق الأمة وإضفاء الشرعية عليها من خلال الإرادة الجماعية في العيش المشترك، يبرز النموذج المغربي كاستثناء نوعي يدمج بين البعدين مع إضافة خصوصية جوهرية تمثلت في ترسيخ مؤسسة إمارة المؤمنين كعنوان جامعة للهوية الوطنية في ظل تنوع ثقافي ولغوي وعرقي يعتبر في غالبية النماذج الكلاسيكية عامل تفكك، لكنه في التجربة المغربية صار عنصر قوة وتماسك بفضل البعد الديني المؤطر الذي يضفي على الدولة-الأمة شرعيتها الروحية والأخلاقية، مع بقاء الممارسة الدينية رهنا بالإرادة الحرة للأفراد واختيارهم الشخصي، وهو ما يجسد التوازن الدقيق بين المرجعية الدينية للدولة وحرية المعتقد.
إن التحليل المقارن للأنظمة الدستورية المعاصرة يكشف أن الغالبية العظمى من الدساتير تسعى إلى بناء الدولة-الأمة على أساس التجانس الثقافي أو اللغوي أو العرقي، وتتعامل مع التعددية إما كاستثناء مؤقت أو كعائق أمام تحقيق الوحدة الوطنية، وقد نجم عن ذلك صراعات هوياتية حادة في العديد من الدول التي ورثت حدودا استعمارية مصطنعة أو عانت من سياسات التغريب القسري. غير أن التجربة الدستورية المغربية سارت في اتجاه مغاير تماما، حيث جعلت من التعددية سمة جوهرية للهوية الوطنية لا مجرد واقع اجتماعي مؤقت، وذلك حين نص الفصل الخامس من دستور 2011 على جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، مع صيانة الحسانية واللهجات المحلية كروافد معبرة عن الوحدة الثقافية المغربية في تنوعها، وهو قرار دستوري غير مسبوق في السياقين العربي والإفريقي، حول مسألة لغوية كانت تؤرق العديد من الدول إلى فضاء للاعتراف والتكامل، خصوصا أنه تم إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية مهمته حماية وتنمية هذه التعددية اللغوية والثقافية وتطويرها ضمن رؤية وطنية موحدة.
وإذا كانت الدساتير في معظم الدول تعتبر اللغة والتاريخ والإقليم عوامل تكوين الأمة، فإن النموذج الدستوري المغربي أضاف إليها بعدا مركزيا تمثل في مؤسسة إمارة المؤمنين التي تشكل الضامن للوحدة الوطنية والروحية، وهذا ما يجعل الدولة المغربية نموذجا فريدا في العلاقة بين الديني والسياسي حيث لا تتعارض المرجعية الدينية مع التعدد الثقافي والديمقراطية التمثيلية، بل تشكل إطارا جامعا لهما، غير أنه من المهم التأكيد هنا أن هذا الإطار الديني لا يعني وصاية على الضمائر أو إكراها في الممارسة، بل هو اختيار إرادي للمواطنين الذين يعتنقون الإسلام كدين للدولة وفق الفصل الثالث من الدستور، مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية للأفراد طبقا للفصل 41 الذي يكفل حرية ممارسة الشعائر لجميع المواطنين في إطار احترام النظام العام والقيم الإسلامية الجامعة، مما يعني أن الدولة لا تتدخل في الخيارات العقائدية للأفراد بل توفر إطارا تنظيميا يضمن ممارسة دينية حرة وآمنة للجميع، دون إكراه أو وصاية، في توازن دقيق بين الهوية الوطنية والالتزامات الدولية في مجال الحريات الأساسية.
وقد تجلى هذا التوازن بشكل لافت في الفصل 41 من الدستور الذي يجمع بين دور الملك كأمير للمؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وبين كونه الضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وهو ما يمثل مقاربة متقدمة في التعامل مع الشأن الديني ضمن دولة متعددة الهويات تنفتح على مختلف الديانات والثقافات، حيث لا تفرض الدولة نسقا دينيا مغلقا، بل تعمل على ضمان ممارسة دينية منظمة تحترم الخيارات الشخصية والتعدد الفكري، وقد عزز ذلك الاعتراف الدستوري بالطابع العبري للمملكة والانفتاح على البعد الإفريقي والأندلسي والمتوسطي كروافد متكاملة للهوية المغربية، ما جعل المغرب يقدم نفسه كمثال نادر لدولة تمكنت من المزج بين الأصالة والعصرنة في بنائها الدستوري والمؤسساتي دون أن تتحول المرجعية الدينية إلى أداة قمع للحريات الفردية، بل إلى إطار أخلاقي وقيمي يختار الأفراد الانخراط فيه طواعية باعتباره جزءا من هويتهم الوطنية والثقافية، وليس فرضا دكتاتوريا تفرضه السلطة على الرعية.
غير أن البعد الديني في النموذج المغربي، رغم كونه اختيارا حرا وممارسة إرادية، لا يخلو من وظيفة اجتماعية ونفسية تأطيرية تتجلى في قدرة المؤسسات الدينية على توجيه الخطاب العام وتذكير المواطنين بثوابت الوطنية والمواطنة، وهو دور تجسد بوضوح في آخر خطبة جمعة موحدة بالمساجد المغربية التي جعلت موضوعها الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات، لتؤكد على علاقة تكاملية بين الانتماء الديني والانتماء الوطني في إطار يسمح بالاجتهاد والنقاش ضمن الثوابت، حيث ورد في الخطبة التوجيه الحاسم بأنه “لا يجوز التشويش على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرية التعبير، أو بدعوى التغيير نحو الأفضل، ما لم يكن ذلك وفق ما أجمعت عليه الأمة”، وهذه العبارة وحدها تحمل في طياتها فلسفة سياسية متكاملة حول حدود الحريات في سياق دولة-أمة تقوم على مرجعية دينية وأخلاقية جامعة، لكنها تظل في النهاية مجرد دعوة أخلاقية وإرشاد روحي، وليست إلزاما قانونيا يحد من حق الأفراد في التعبير عن آرائهم وممارسة معتقداتهم في إطار القانون واحترام النظام العام، فهي تضع معيار الإجماع الوطني والإرادة الجماعية كمرشد أخلاقي لا كقيد مانع، مما يمنح الدولة الشرعية المعنوية لضبط الإيقاع الاجتماعي عبر التوعية والنصح والتوجيه، لا عبر الإكراه والقسر، مع بقاء الباب مفتوحا أمام الاختلاف المشروع والنقاش البناء ضمن حدود المصلحة الوطنية العليا واحترام الخيارات الشخصية.
هذا التكامل بين المرجعية الدينية والدستورية يعكس فلسفة خاصة في تدبير التعدد والاختلاف، حيث لا يتم التعامل مع التنوع الثقافي واللغوي كتهديد للوحدة الوطنية، بل كثراء يحتاج إلى إطار أخلاقي وروحي يضمن عدم تحوله إلى صراع هوياتي مدمر، وهنا يأتي دور الخطبة الموحدة كآلية مؤسساتية للتذكير بهذه الثوابت، وكصيغة من صيغ النصح والإرشاد الديني الموجه للراغبين في سماعه، الذين يختارون بارادتهم الحرة الالتحام بالمساجد والاستماع إلى خطبائهم، لا كخطاب إلزامي يفرض بالقانون، بل كجزء من منظومة القيم التي يشترك فيها المغاربة طواعية، مما يجعل دور المؤسسة الدينية في هذا السياق دورا استشاريا وتوجيهيا لا سلطويا، وهو ما يراعي التنوع الفكري والعقائدي في المجتمع المغربي دون التخلي عن الثوابت الوطنية والروحية التي شكلت هوية البلاد عبر القرون. وقد شكل هذا الخطاب الديني المؤسساتي، الذي تقدمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنسيق مع المؤسسة الملكية، أداة مكملة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والنفسي من خلال التوعية والتربية، خاصة في الأوقات التي تشهد فيها المنطقة العربية والإسلامية تحولات عنيفة واضطرابات هوياتية تهدد تماسك الدول، إذ يوفر هذا التأطير الديني للمغاربة إجابات عن أسئلة الهوية والانتماء في سياق متغير، مما يعزز قدرتهم على التمييز بين النقد البناء والمساس بالثوابت، وبين الاختلاف المشروع والتشويش على الأمن الجماعي، مع بقاء الخيار الفردي في نهاية المطاف هو الفيصل في درجة الانخراط في هذا الإطار القيمي.
إن تحليل الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش في ضوء هذه الخصوصية الدينية والدستورية يكشف عن رؤية متكاملة للدولة-الأمة المغربية، حيث اعتبر الملك محمد السادس المغرب بلدا عريقا جذوره ضاربة في التاريخ لأنه يستمد قوته باعتباره الدولة-الأمة التي تمكنت من صيانة وحدتها الترابية وهويتها الوطنية متعددة الروافد عبر قرون من التحديات، وهذه القوة التاريخية التي أشار إليها الخطاب الملكي لا تنفصل عن البعد الروحي والديني الذي ظل حاضرا في كل محطات بناء الدولة المغربية، بدءا من مبايعة الأئمة والدعاة للسلطان ومرورا بدور الزوايا والطرق الصوفية في نشر القيم الدينية والوطنية، وصولا إلى التنظيم المؤسساتي المعاصر الذي جعل من المرجعية الدينية إطارا للوحدة في إطار التعدد، مانحا بذلك صفة الاستمرارية والاستدامة لهذا النموذج الفريد في المنطقة، نموذج الدولة-الأمة التي لا تنفي الآخر ولا تصادر حقه في الاختلاف، بل تحتويه في إطار من الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع، وتوجهه نحو خدمة المشترك الإنساني والوطني، وذلك في إطار دستوري يضمن حرية المعتقد والممارسة للأفراد مع الإقرار بدين الدولة ومرجعيتها الإسلامية كاختيار سيادي للأمة المغربية عبر تاريخها الطويل.
وهكذا يظهر النموذج المغربي في بناء الدولة-الأمة كبديل عملي عن النموذجين الأوروبي الكلاسيكي الأحادي الثقافة، والنموذج العلماني المتطرف الذي يفصل الدين عن الدولة فصلا مطلقا، ليقدم مقاربة ثالثة تقوم على التكامل بين المرجعيات مع إعطاء الأولوية للثوابت الوطنية والدينية كضامن للوحدة والاستقرار، دون التخلي عن متطلبات العصرنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية المعتقد والممارسة الدينية التي تظل مكفولة للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية، وهذا هو جوهر التحديث الذي عرفه المغرب في تدبير الشأن الديني، حيث تحول الدين من أداة للسيطرة والإكراه إلى إطار للقيم والاختيار الحر، ومن مرجعية الزامية إلى مصدر إلهام للوحدة الوطنية، مع بقاء الباب مشرعا أمام التعدد والمشاركة في إطار من الاحترام المتبادل والقانون الوضعي. هذه المقاربة تجعل من الدين عنصرا مكونا للهوية الوطنية لا أداة للوصاية، ووسيلة للتآلف والتواصل لا للتفرقة والإقصاء، وهو ما يفسر قدرة المملكة على الصمود في وجه رياح التغيير العنيفة التي عصفت بالمنطقة خلال العقدين الأخيرين، حيث حافظت على تماسكها الوطني وهويتها المتعددة بفضل هذا المزيج الفريد بين الديني والسياسي والثقافي، والذي يجعلها مثالا نادرا لدولة-أمة تمكنت من تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والتعدد إلى رافعة للوحدة، والاختلاف إلى أداة للإبداع الحضاري المشترك، مع احترام الخيارات الشخصية للمواطنين وحرياتهم الفردية التي تظل مصانة في إطار القانون والثوابت الوطنية، مما يوفر نموذجا متقدما في العلاقة بين الدولة والدين والأفراد يمكن أن يستلهم منه العديد من الدول التي تبحث عن صيغ توافقية للتعايش بين مكوناتها المختلفة.
