الأربعاء | 31 دجنبر 2025
في الخارج، يشتد البرد وتقرع زخات المطر الأسطح، بينما في الداخل تنبض البيوت المغربية بدفء خاص، تصنعه لحظات جماعية تختزلها بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025، التي لم تعد مجرد منافسة كروية تُتابَع عبر الشاشات، بل تحولت إلى موعد يومي يوحد العائلة ويمنح لكل بيت إيقاعه المميز.
مع حلول فصل الشتاء، باتت كأس أمم إفريقيا تطرق أبواب البيوت المغربية، لتعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية. ففي كل صالون، ينشأ مدرج صغير، تتقاطع فيه أصوات القارة وألوانها، وتذوب برودة الطقس أمام حرارة التشجيع والانتماء.
بين رائحة الشاي بالنعناع ودفء الأغطية الصوفية، تلتف العائلات حول الشاشة، وتُعاد هندسة الفضاء المنزلي كما لو أن البيت يستعد لحدث استثنائي. هنا، لا يعود الصالون مجرد غرفة جلوس، بل يتحول إلى ساحة حماس، تختلط فيها الضحكات بالتوتر، والآمال بالترقب.
هاجر، أم لطفلين، تعيش هذه الفترة بنغمة مختلفة. فخلال مباريات “الكان”، يتغير إيقاع يومها، ويصبح كل شيء مرتبطًا بموعد اللقاء. تقول بابتسامة عفوية: “الأمر يشبه اللعب ضمن فريق واحد”.
داخل منزلها، لكل فرد دوره. هي تشرف على طقوس الشاي، زوجها يهتم بالحلويات، فيما يتوزع الطفلان في أرجاء البيت، كل بطريقته. “لدينا توزيع غير معلن للأدوار، تمامًا كما يحدث داخل الملعب”، تضيف هاجر.
وتسترسل قائلة: “قبيل انطلاق المباراة، يسود صمت قصير، ومع عزف النشيد الوطني تتوحد الأصوات داخل البيت، كأنها تعانق زئير الأسود. بعدها، تنفجر المشاعر، ننسى كل شيء، ونصبح مشجعين قبل أن نكون آباء”.
في بيت عبد السلام، تأخذ كأس إفريقيا للأمم بُعدًا آخر. هنا، لا حديث عن الحظ أو الطقوس الخرافية، بل عن ذاكرة جماعية تُبنى وقيم تُنقل. ومع اقتراب موعد المباراة، يتحول المطبخ إلى خلية نحل: الزوجة تُعد القهوة، الابنة الكبرى تحضر الشاي، والصغار يشاركون في إعداد الحلويات، في أجواء عائلية دافئة.
“عندما يسجل أسود الأطلس، يهتز البيت بأكمله”، يقول عبد السلام. تُرفع الأعلام، تتعالى هتافات “ديما مغرب”، وتتلاقى الأيدي دون ترتيب. بالنسبة له، هذا الفرح ليس لحظة عابرة، بل درس في الانتماء وتقاسم المشاعر، حيث تناقَش الهزيمة بهدوء، ويُحتفى بالنصر بلا حساب.
لين، ذات الأحد عشر عامًا، تعيش البطولة بطريقتها الخاصة. بالنسبة لها، يبدأ التحول الحقيقي مع نشر العلم المغربي. “في تلك اللحظة، لا يعود بيتنا عاديا، بل يصبح ملعبًا حقيقيًا”، تقول بثقة.
تراقب والدتها، تقلد حركاتها وانفعالاتها، وتشعر بأن رابطًا خفيًا يجمعهما. وتؤمن لين أن هذا الحماس، بطريقة ما، يصل إلى اللاعبين داخل الملعب.
ومع صافرة النهاية، لا ينتهي كل شيء. يظل أثر المباراة حاضرًا في هواء الصالون المشبع بالفخر، وفي الوجوه التي تحمل مزيجًا من الرضا والأمل.
بالنسبة لهذا الجيل الصاعد، كل مباراة ليست مجرد تسعين دقيقة، بل لبنة إضافية في بناء شعور عميق بالانتماء، وذكرى جماعية تبقى حيّة حتى بعد إطفاء الشاشة.
هكذا، تؤكد كأس إفريقيا للأمم 2025 أن عشق كرة القدم في المغرب ليس شغفًا فرديًا عابرًا، بل حكاية عائلية تُروى في كل بيت، وبأكثر من صوت.
